في خضم الأزمة الصحية العالمية التي ضربت العالم بأسره، برز العمل عن بُعد كحل سحري ومنقذ لكثير من الشركات والمؤسسات. فبين ليلة وضحاها، تحول ملايين الموظفين حول العالم إلى العمل من منازلهم، في محاولة للحفاظ على سير الأعمال وتجنب الانهيار الاقتصادي. لقد بدا وكأنه الحل الأمثل الذي يجمع بين المرونة والسلامة والإنتاجية.
لقد قدم هذا النمط الجديد من العمل بالفعل شريان حياة حقيقيًا للعديد من القطاعات التي كانت على وشك التوقف التام. فبدون القدرة على الانتقال الفوري للعمل عن بُعد، لكانت تداعيات الجائحة الاقتصادية أشد قسوة ودمارًا، مما أنقذ عددًا لا يحصى من الوظائف وحافظ على استمرارية الإمدادات والخدمات الأساسية.
الوجه الآخر للعمل عن بعد: ستار الخداع
لكن، ومع مرور الوقت وتعمق تجربة العمل عن بُعد، بدأت تظهر تحديات غير متوقعة، وربما جانب مظلم لم يكن الكثيرون لَيَتخيَّلوه. يشير هوارد ليفيت، وهو خبير قانوني في قضايا التوظيف، إلى أن هذا التحول الكبير، رغم أهميته القصوى، قد أصبح “ستارًا أو تمويهًا لخداع الموظفين” في بعض الحالات المؤسفة.
لقد استغل بعض الموظفين – وليس الكل بطبيعة الحال – غياب الرقابة المباشرة لـ “ازدواجية الأجر”، حيث كانوا يتقاضون رواتبًا كاملة بدوام كامل مقابل جهد جزئي أو حتى التزام بمهام وهمية. هذا السلوك لا يقتصر على مجرد التقصير، بل يتجاوزه إلى استغلال فاضح للثقة التي وضعتها الشركات فيهم خلال فترة عصيبة.
ووفقًا لما ذُكر، كانت المشكلة تتفاقم عندما كان المديرون بحاجة ماسة لهؤلاء الموظفين. فبدلاً من الاستجابة السريعة والفعالة، كانوا يواجهون “صمتًا إذاعيًا” مطبقًا، أو تأخرًا غير مبرر في الرد، مما يعيق سير العمل ويُلحق الضرر بالمشاريع والفرق بأكملها. هذه السلوكيات كانت تضرب في صميم مفهوم العمل الجماعي والمسؤولية المشتركة.
تحليل وتداعيات مستقبلية
من وجهة نظري، هذه الظاهرة، وإن كانت لا تمثل الغالبية العظمى من الموظفين عن بُعد، إلا أنها تسلط الضوء على فجوات عميقة في إدارة الأداء وثقافة الثقة. لقد خلقت الجائحة بيئة فريدة من نوعها حيث كانت الحاجة ماسة للاستمرارية، مما دفع الشركات إلى التسرع في تطبيق سياسات العمل عن بُعد دون وضع آليات رقابة وتقييم صارمة أو بناء ثقافة تعتمد على النتائج وليس الحضور.
إن تآكل الثقة هذا له تداعيات خطيرة على المدى الطويل. فعندما تُكتشف مثل هذه الممارسات، فإنها لا تضر فقط بسمعة الموظف المعني، بل تزرع بذور الشك في ذهن أصحاب العمل تجاه العمل عن بُعد بشكل عام، مما قد يؤدي إلى تضييق الخناق على الفرص المستقبلية للموظفين الملتزمين وتقليص المرونة التي اكتسبناها بصعوبة.
لمواجهة هذه التحديات، يجب على الشركات إعادة تقييم استراتيجياتها للعمل عن بُعد. يتطلب الأمر وضع مؤشرات أداء رئيسية واضحة وقابلة للقياس، وتعزيز قنوات الاتصال المنتظم، والاستثمار في أدوات التكنولوجيا التي تتيح تتبع التقدم دون المساس بخصوصية الموظفين. الأهم من ذلك، هو بناء ثقافة مؤسسية قوية تقوم على الثقة المتبادلة والمسؤولية الفردية.
لا شك أن العمل عن بُعد سيبقى جزءًا لا يتجزأ من مستقبل العمل، ويحمل في طياته إمكانيات هائلة لزيادة الإنتاجية والمرونة وتوسيع نطاق المواهب. ولكن هذه الحالات الفردية من الخداع تذكرنا بأهمية اليقظة والتكيف. لا يمكن التغاضي عن السلوكيات غير المهنية باسم المرونة، بل يجب إيجاد توازن دقيق بين تمكين الموظفين وضمان المساءلة.
في الختام، لقد كان العمل عن بُعد بمثابة سيف ذي حدين خلال الجائحة: من جهة، كان طوق نجاة أنقذ الاقتصاد، ومن جهة أخرى، كشف عن ثغرات استغلها البعض. إن التحدي الحقيقي يكمن الآن في كيفية التعلم من هذه التجربة، وتصميم نماذج عمل هجينة أو عن بُعد تحافظ على الفوائد مع بناء حواجز فعالة ضد أي شكل من أشكال الخداع، لضمان استمرارية بيئة عمل صحية ومنتجة قائمة على الثقة والشفافية.
الكلمات المفتاحية المترجمة:
- Remote work: العمل عن بعد
- Employee deceit: خداع الموظفين
- Double-dipping: ازدواجية الأجر
- Lifeline: شريان حياة
- Camouflage: تمويه / غطاء
الكلمات المفتاحية العربية للبحث: العمل عن بعد, خداع الموظفين, جائحة كورونا, إدارة الأداء, ثقافة العمل
