في قلب ساسكاتون، تشهد الساحة الكندية جدلاً حاداً يمس أصول الأمم الأولى وشفافية الإنفاق. فبعد أن كشف تدقيق جنائي عن ما يزيد عن 34 مليون دولار من النفقات “المشكوك فيها أو غير المدعومة أو غير المؤهلة” على مدى خمس سنوات، ردّت مجموعة تمثل الأمم الأولى في ساسكاتون بقوة، مشككةً في نزاهة وموضوعية هذا التقرير.
التقرير الذي أثار هذه الزوبعة، أشار إلى فجوات كبيرة في كيفية إدارة وتوثيق الأموال المخصصة لدعم مجتمعات السكان الأصليين، مما يثير تساؤلات جدية حول فعالية الحوكمة المالية. الأرقام بحد ذاتها ضخمة وتستدعي التدقيق، لكن طريقة عرضها وتفسيرها هي بيت القصيد في الخلاف الدائر حالياً.
من جانبها، لم تقف جمعية الأمم الأصلية ذات السيادة (FSIN) مكتوفة الأيدي. فقد سارعت إلى التشكيك في دوافع التدقيق ونتائجه، مؤكدة أن هذه الأرقام لا تعكس الواقع الكامل، وأن التقرير يفتقر إلى السياق الضروري الذي يوضح التحديات الفريدة التي تواجهها مجتمعاتها في إدارة الموارد المالية في ظل ظروف معقدة.
خلفية الجدل
تتجاوز هذه القضية مجرد أرقام مالية، لتلامس قضايا أعمق تتعلق بالعلاقة التاريخية المعقدة بين الحكومة الكندية والأمم الأولى، وثقة السكان الأصليين في الأنظمة الحكومية. فلطالما كانت ملفات التمويل والإشراف المالي نقطة احتكاك، وغالباً ما تُفَسَّر مثل هذه التقارير في سياق سياسي وثقافي أوسع.
من الطبيعي أن تسعى الجهات المانحة إلى ضمان أن الأموال العامة تُستخدم بكفاءة ومسؤولية. وفي هذا السياق، تهدف عمليات التدقيق إلى تحديد أي أوجه قصور أو مخالفات محتملة. ومع ذلك، فإن النقطة المحورية تكمن في ما إذا كانت هذه التدقيقات تأخذ في الاعتبار الظروف الخاصة والاحتياجات الفريدة لمجتمعات الأمم الأولى، أم أنها تطبق معايير قد لا تكون مناسبة تماماً.
تحليل وتداعيات
أجد أن هذا النوع من الخلافات، رغم أهميته في تعزيز الشفافية والمساءلة، قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم يُتعامل معه بحساسية. فبدلاً من بناء الجسور، يمكن أن يرسخ صورة نمطية سلبية حول قدرة الأمم الأولى على إدارة شؤونها، مما يقوض جهود المصالحة والثقة المتبادلة التي تسعى كندا لتحقيقها.
برأيي الشخصي، يجب أن تكون الشفافية عملية ذات اتجاهين. فبقدر ما يُطلب من مجموعات الأمم الأولى إظهار الشفافية في إنفاقها، يجب أيضاً أن تكون عملية التدقيق نفسها شفافة، ومحترمة ثقافياً، ومبنية على فهم عميق لتحديات الحوكمة في مجتمعات السكان الأصليين. لا يمكن فصل القضايا المالية عن السياق الاجتماعي والتاريخي.
إن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد توازن بين الحاجة للمساءلة المالية الصارمة، والحاجة إلى دعم بناء القدرات داخل هذه المجتمعات، بدلاً من التركيز فقط على العقاب أو التشكيك. فمجتمعات الأمم الأولى تواجه ضغوطاً هائلة في توفير الخدمات الأساسية لسكانها، وهذا يتطلب مرونة في الإدارة المالية، لا تقييدها بقوالب جامدة.
هذا الجدل يعكس معضلة أوسع في الحوكمة والتمويل ضمن العلاقة بين الحكومة الفيدرالية ومجموعات الأمم الأولى. إن حل هذه القضية لا يكمن فقط في تقارير التدقيق، بل في حوار بناء يهدف إلى فهم متبادل، وتطوير أطر عمل مالية تحترم السيادة وتدعم الاستقلالية الحقيقية، مع ضمان الشفافية المطلوبة.
في الختام، تبقى قضية الـ 34 مليون دولار أكثر من مجرد أرقام؛ إنها مرآة تعكس التحديات المستمرة في بناء الثقة وتحقيق المصالحة بين الأمم الأولى وبقية كندا. يتطلب الأمر نهجاً مدروساً وشاملاً، يتجاوز الاتهامات المتبادلة، نحو حلول تعاونية تضمن العدالة والشفافية للجميع.
كلمات مفتاحية مترجمة:
الأمم الأولى (First Nations)
تدقيق جنائي (Forensic Audit)
إنفاق مشكوك فيه (Questionable Spending)
ساسكاتون (Saskatoon)
السيادة الأصلية (Indigenous Sovereignty)
