لا شك أن مهنة العلاج النفسي من أسمى المهن وأكثرها نبلاً، فالمعالج يكرس حياته لمساعدة الآخرين على تجاوز آلامهم والتئام جراحهم الخفية. لكن ماذا يحدث عندما يصبح هذا النبل نفسه مصدرًا للاستنزاف؟ إنها المفارقة التي تعيشها معالجة نفسية مخضرمة، أمضت أكثر من عشرين عامًا في الاستماع إلى حكايات الألم البشري، لتجد نفسها اليوم غارقة في بحر من المشاعر المستنزفة، تشعر وكأنها تفقد قدرتها على الطفو.
ثمن التعاطف العميق
تتطلب مهنة العلاج النفسي مستويات عالية من التعاطف والقدرة على الإنصات، لكن هذا التعاطف المستمر يتحول ببطء إلى ثقل لا يطاق. كل يوم يحمل معه قصصاً جديدة عن الصدمات، الخسائر، والقلق الوجودي، وهي مشاعر لا يمكن تجاهلها أو “إطفاؤها” بمجرد انتهاء الجلسة. يبدأ المعالج في استيعاب جزء من هذا الألم، ليس فقط بفهم عقلي، بل على مستوى عاطفي عميق، مما يجعله عرضة لما يعرف بـ “الاحتراق الوظيفي العاطفي”.
دوامة الاستنزاف الصامت
تصف المعالجة شعورها بأن أوجاع الناس “تغرقها”، وهي عبارة صادقة تعكس مدى الاستنزاف الذي قد يتعرض له المختصون في هذا المجال. إنها ليست مجرد تعب جسدي، بل إرهاق روحي وعاطفي يؤثر على جودة حياتهم الشخصية، وقدرتهم على الاستمتاع بلحظاتهم بعيداً عن العمل. تصبح الحدود بين حياة المريض وحياة المعالج غير واضحة المعالم، وتتآكل تدريجياً، تاركة المعالج يشعر بأنه يحمل عبء العالم على كتفيه.
رأيي: أهمية رعاية الذات للمعالج
من وجهة نظري، تسلط هذه القصة الضوء على حقيقة مؤلمة غالباً ما يتم تجاهلها: حتى من يمدون يد العون يحتاجون إلى العون. هناك تصور شائع بأن المعالجين النفسيين هم أشخاص لا يُقهرون، يمتلكون حصانة ضد المشاعر السلبية التي يتعاملون معها. وهذا الاعتقاد خاطئ وخطير. يجب على المختصين في مجال الصحة النفسية أن يكونوا قدوة في ممارسة الرعاية الذاتية والبحث عن الدعم لأنفسهم. فكيف يمكن لشخص مستنزف أن يقدم الدعم الفعال للآخرين؟ إن إهمال هذه الحاجة الأساسية لا يضر بالمعالج فحسب، بل يؤثر أيضاً على جودة الرعاية المقدمة للمرضى.
دعوة لكسر الصمت وتوفير الدعم
إن تجربة هذه المعالجة المخضرمة هي بمثابة جرس إنذار للمجتمعات والمؤسسات التي توظف هؤلاء الأبطال المجهولين. يجب أن تكون هناك آليات دعم واضحة للمعالجين، مثل الإشراف المنتظم، جلسات العلاج الشخصي، وإجازات إجبارية لإعادة الشحن العاطفي. الاعتراف بأن الإرهاق العاطفي حقيقة قائمة وليس ضعفاً شخصياً هو الخطوة الأولى نحو بناء بيئة عمل مستدامة وصحية للعاملين في مجال الصحة النفسية، وضمان استمرارهم في مهمتهم النبيلة دون أن يغرقوا هم أنفسهم في بحر الألم.
الكلمات المفتاحية:
- الإدراك والحساسية: SENSE & SENSITIVITY
- معالج نفسي: THERAPIST
- إرهاق عاطفي: BURNT OUT
- مستنزف عاطفياً: EMOTIONALLY EXHAUSTING
- شفاء: HEALING
- ألم: PAIN
- غرق/استنزاف: SINKING
