يُعد نظام المعادلة (Equalization System) أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها الاتحاد الكندي، ويهدف في جوهره إلى ضمان حصول جميع المقاطعات على موارد كافية لتوفير خدمات عامة متقاربة لمواطنيها، بغض النظر عن قدرتها الإيرادية الفردية. إنه تعبير عن التضامن الوطني، لكن هذا المبدأ النبيل يواجه اليوم تحديات عميقة تهدد فعاليته واستمراريته، وتحوّله إلى مصدر للجدل.
نظام “المعادلة” الكندي: الهدف النبيل والواقع المعقد
المشكلة تكمن في المفارقة الصارخة التي كشف عنها التقرير الأخير: فبينما تتجه القدرات الإيرادية للمقاطعات نحو التقارب والتماثل بشكل متزايد، تستمر المدفوعات ضمن نظام المعادلة في الارتفاع بوتيرة غير مبررة. هذا التناقض يشير بوضوح إلى أن هناك خللاً هيكلياً في الآلية التي يعمل بها النظام، مما يثير تساؤلات جدية حول عدالته وكفاءته الاقتصادية في ظل المشهد الكندي المتغير.
أحد أبرز أوجه القصور يتمثل في الصيغة الحسابية المستخدمة لتقدير القدرات الإيرادية للمقاطعات. فالصيغة الحالية لا تأخذ في الحسبان جميع مصادر الإيرادات المتاحة للمقاطعات، مما يؤدي إلى تقديرات غير دقيقة ومضللة للثروة الحقيقية لكل مقاطعة. على سبيل المثال، قد تغفل بعض أنواع الضرائب أو الإيرادات المتأتية من الموارد الطبيعية بشكل كامل، وهو ما يعطي صورة مشوهة للوضع المالي الحقيقي للمقاطعات ويخلق فوارق مصطنعة.
فجوات الصيغة الحسابية وتأثيرها
هذا القصور يؤدي إلى تحميل المقاطعات ذات الاقتصادات القوية -التي تساهم في صندوق المعادلة- أعباءً مالية إضافية وغير مبررة. تشعر هذه المقاطعات بأنها تدفع أكثر مما هو ضروري، خاصة عندما تكون هي نفسها تواجه تحديات اقتصادية أو تحتاج إلى استثمارات داخلية حيوية. وهذا يمكن أن يولد شعوراً بالاستياء ويقلل من الإحساس بالعدالة بين أجزاء الاتحاد الكندي.
على الجانب الآخر، أرى أن الاعتماد المفرط على مدفوعات المعادلة في بعض المقاطعات ذات القدرة الإيرادية الأقل قد يخلق نوعاً من اللامبالاة تجاه ضرورة تطوير مصادر دخلها الخاصة أو تطبيق سياسات مالية أكثر كفاءة ومسؤولية. إذا كانت المدفوعات مضمونة، فقد يقل الحافز للاستثمار في النمو الاقتصادي المستدام أو ابتكار مصادر إيرادات جديدة، مما يعرقل تقدمها على المدى الطويل.
تداعيات اقتصادية وسياسية
تاريخياً، صُمم نظام المعادلة لتعزيز الوحدة الوطنية وتقليل الفوارق الحادة بين المناطق، وتوفير قاعدة متينة للخدمات العامة، لكنه يبدو اليوم وكأنه يساهم في إذكاء التوترات بدلاً من تخفيفها. لقد حان الوقت لإعادة النظر في هذا النظام من جذوره، ليس فقط لضمان عدالته، بل لضمان استدامته على المدى الطويل كأداة حيوية للحفاظ على التوازن الاقتصادي والاجتماعي في كندا.
لذلك، أرى أن النظام الحالي قد استنفد غرضه بصيغته الحالية المعقدة وغير الشاملة. إن مجرد إجراء تعديلات طفيفة لن يكون كافياً لإصلاح هذا الخلل المتجذر. ما نحتاجه هو إصلاح شامل يرتكز على مبادئ الشفافية والعدالة والكفاءة. يجب أن تتضمن هذه المراجعة إعادة تقييم شاملة لكافة مصادر الإيرادات، وربما تحديد سقوف زمنية للمساعدات لتعزيز الاعتماد على الذات والابتكار الاقتصادي.
ضرورة الإصلاح الشامل
أي إصلاح مستقبلي يجب أن يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين دعم المقاطعات الأكثر احتياجاً وتحفيز النمو الاقتصادي في جميع أنحاء البلاد. يتطلب ذلك حواراً وطنياً صريحاً وبناءً بين جميع مستويات الحكومة والمقاطعات، للتوصل إلى صيغة جديدة تعكس الواقع الاقتصادي الراهن وتطلعات المستقبل، وتضمن توزيعاً أكثر عدلاً وفعالية للموارد.
لا شك أن عملية إصلاح بهذا الحجم ستكون معقدة وتواجه تحديات سياسية كبيرة، حيث أن أي تغيير سيمس بمصالح متعددة وقد يثير مقاومة من بعض الجهات المستفيدة أو المتضررة. ومع ذلك، فإن التحديات التي يواجهها النظام الحالي أكبر من أن يتم تجاهلها. القيادة الحكيمة والتعاون المثمر هما مفتاح إيجاد حل يحافظ على الهدف الأصلي للنظام مع تصحيح مساره نحو الاستدامة والعدالة.
في الختام، إن نظام المعادلة الكندي، على الرغم من نواياه الحسنة وأهميته التاريخية، أصبح عبئاً مالياً وإدارياً بسبب صيغته المعقدة وغير الشاملة التي لم تعد تتماشى مع الواقع. إن إصلاحاً جريئاً وشاملاً لم يعد خياراً، بل ضرورة قصوى لضمان استقرار كندا الاقتصادي وتماسكها الاجتماعي، ولإعادة ترسيخ مبادئ العدالة والإنصاف بين جميع أبنائها ومقاطعاتها.
كلمات مفتاحية مترجمة:
Equalization system: نظام المعادلة
Revenue capacities: القدرات الإيرادية
Overhaul: إصلاح شامل
Fiscal responsibility: المسؤولية المالية
Inter-provincial disparities: الفوارق بين المقاطعات
