في المشهد السياسي الأمريكي المحتدم، غالبًا ما نجد حكام الولايات الديمقراطيين في طليعة منتقدي السياسات والإجراءات الرئاسية، خاصةً خلال فترة دونالد ترامب في الحكم. لقد تحول العديد منهم إلى أصوات صارخة تعبر عن معارضة قوية، مستخدمين منصاتهم لتقديم رؤى بديلة والتصدي لما يرونه مسارًا خاطئًا. لكن وسط هذا الجوقة الصاخبة، تبرز شخصية واحدة تبنت نهجًا مختلفًا ومغايرًا.
تتمثل هذه الشخصية في حاكمة ميشيغان، غريتشن ويتمر، التي اختارت مسارًا أكثر هدوءًا وتكتمًا في تعاملاتها مع الرئيس السابق ترامب، خلافًا لزملائها مثل حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم وحاكم إلينوي جيه بي بريتزكر. فبينما كان هؤلاء ينخرطون في مواجهات علنية وخطاب حاد، حافظت ويتمر على نبرة أقل حدة، مفضلة غالبًا التركيز على قضايا الدولة الداخلية بعيدًا عن الصراعات الوطنية الساخنة.
اختلاف الاستراتيجيات: من الصدام إلى الدبلوماسية الهادئة
هذا التباين في الأسلوب ليس مجرد صدفة، بل يعكس على الأرجح استراتيجية سياسية محسوبة بعناية. يمكن تفسير نهج ويتمر البراغماتي كجهد لتجنب الاستقطاب المفرط الذي يميز السياسة الأمريكية المعاصرة. بدلاً من الدخول في حرب كلامية قد لا تخدم مصالح ناخبيها، اختارت التركيز على إيجاد أرضية مشتركة قدر الإمكان، أو على الأقل تجنب تفاقم الانقسامات.
يكمن أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا النهج في الطبيعة السياسية لولاية ميشيغان نفسها. فميشيغان تُعد ولاية متأرجحة بامتياز، حيث تتنافس فيها القوى السياسية بحدة ويمكن أن يتغير ولاؤها من انتخابات لأخرى. بالنسبة لحاكمة ديمقراطية في مثل هذه الولاية، فإن تبني خطاب تصادمي دائمًا مع شخصية مثل ترامب قد يؤدي إلى نفور شريحة كبيرة من الناخبين الوسطيين أو المستقلين، مما يعرض موقعها السياسي للخطر.
في رأيي، فإن هذا الأسلوب يمكن أن يكون فعالًا بشكل كبير. فالحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة، حتى مع الخصوم السياسيين، يمنح ويتمر فرصة أكبر لتحقيق مكاسب لمواطني ميشيغان. سواء كان ذلك في تأمين التمويل الفيدرالي أو التنسيق بشأن قضايا كبرى مثل البنية التحتية أو الصحة العامة، فإن الدبلوماسية الهادئة قد تكون أكثر إنتاجية من المواجهة المستمرة.
ومع ذلك، لا يخلو هذا النهج من الانتقادات المحتملة. قد يرى بعض الديمقراطيين التقدميين أن استجابتها المتكتّمة تمثل فرصة ضائعة لمواجهة ما يرونه سياسات خاطئة أو غير عادلة. قد يفسر البعض صمتها النسبي على أنه عدم كافٍ أو حتى ضعف، خاصةً عندما تكون هناك قضايا تتطلب موقفًا مبدئيًا قويًا ضد الإدارة الفيدرالية.
تحليل معمق: مكاسب ومخاطر النهج المعتدل
في جوهرها، تتبنى ويتمر نمطًا قياديًا يركز على الحكم العملي (governance) بدلاً من الاستقطاب السياسي أو البحث عن الأضواء. هذا النمط يعطي الأولوية لإدارة شؤون الدولة وحل المشكلات اليومية التي تواجه المواطنين، ويقلل من الانخراط في المعارك السياسية على المستوى الوطني التي قد لا تعود بالنفع المباشر على ولايتها.
إن تداعيات هذا النهج قد تتجاوز فترة رئاسة ترامب. فبناء سمعة كقائدة قادرة على العمل عبر الخطوط الحزبية – أو على الأقل تجنب التصادم غير الضروري – يمكن أن يعزز مكانتها السياسية على المدى الطويل، سواء داخل ميشيغان أو إذا ما طمحت لمناصب أرفع في المستقبل، فقد تُنظر إليها كشخصية قادرة على توحيد الصفوف وليس تقسيمها.
ما يمكن أن نتعلمه من استراتيجية ويتمر هو أن هناك طرقًا متعددة وناجحة للمشاركة في العمل السياسي. في بيئة يسودها الاستقطاب، يمكن للمرونة والتفكير الاستراتيجي في كيفية التعامل مع الخصوم أن تكون ذات قيمة هائلة. ليس كل قائد يجب أن يكون صوته الأعلى، ففي بعض الأحيان، الصوت الأكثر هدوءًا هو الذي يتمكن من إنجاز المهام الأكثر أهمية.
في الختام، تُقدم حاكمة ميشيغان غريتشن ويتمر نموذجًا لأسلوب قيادي متميز في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب. من خلال تبني نهج أكثر هدوءًا وبراغماتية تجاه دونالد ترامب، مقارنةً بالعديد من نظرائها الديمقراطيين، تسعى ويتمر إلى تحقيق التوازن بين تمثيل قيم حزبها وخدمة مصالح ولايتها المتأرجحة بفعالية. هذا التوجه لا يمثل فقط اختيارًا تكتيكيًا، بل يعكس رؤية أوسع لكيفية المضي قدمًا في سياسة معقدة، حيث لا تكمن القوة دائمًا في الصوت الأعلى، بل في القدرة على إحداث فرق حقيقي على الأرض.
كلمات مفتاحية: غريتشن ويتمر (Gretchen Whitmer)، سياسة أمريكية (US Politics)، حكام ديمقراطيون (Democratic Governors)، دونالد ترامب (Donald Trump)، استراتيجية سياسية (Political Strategy).
